الصفحه الرئيسية النقابة عن النقابة ادوارها

الدور الوطني

ما من موقف أو حدث كبير يترتب عليه نتائج تمس بالوطن أو بمحيطه الا وكان لنقابة بيروت موقف وقرار.
والنضال الوطني للنقابة لا يقتصر على الوجه السياسي منه، بل يبدأ اول ما يبدأ في حقل المهنة بالذات.
وقف المحامون صفاً واحداً وراء نقابتهم في 12/11/1943 غداة اعتقال الحكومة الاستقلالية الاولى، وعلى رأسها رئيس الجمهورية، واعلنوا الاضراب العام الشامل حتى اعلان الافراج عن المعتقلين، انه وجه آخر من وجوه النضال الذي خاضت النقابة غمراته من أجل وطن حرّ سيد مستقل.

والاضراب الذي نفذته النقابة بعد الاعتداء الذي وقع على استقلال لبنان يوم انزلت الحكومة الفرنسية وحدات عسكرية على شواطئه بحجة حماية الرعايا الفرنسيين المقيمين آنذاك في لبنان، والذين كانوا يقومون بمظاهرات عدائية ضدّ الحكومة اللبنانية، يصبّ ايضاً في الخط الوطني الذي اتّبعته نقابة المحامين منذ تأسيسها.

وتقديراً لدور النقابة الطليعي في معركة الاستقلال، قررت الحكومة في عهد الرئيس بشاره الخوري منح نقابة المحامين مدالية الجهاد الوطني وهي مدالية فخرية على درجة واحدة، منشأة بالقانون الصادر في 19 تشرين الثاني 1945 والتي تمنح الأشخاص لمن جاهد في سبيل لبنان أثناء حوادث 11/11/1943.

وهذا النضال الذي قادته نقابة المحامين لم يقتصر على الساحة اللبنانية، بل تخطاه الى كل ساحة عربية اخرى تتعرض للاعتداء وفي طليعتها القضية الفلسطينية.

فالنقابة وقفت من هذه القضية موقفاً يتصف بالطابع القومي، ويتميز ببعد النظر حين اقترحت بتاريخ 25/8/1947 على المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب إرسال برقية إحتجاج الى هيئة الامم على ما يدبر لفلسطين. وكان ذلك قبل أربعة أشهر من إعلان قرار تقسيم فلسطين.

وفي الموضوع نفسه بعثت النقابة ببرقية إحتجاج إلى هيئة الامم محمّلة المجتمع الدولي الذي تمثل خطورة ما يحصل على أرض فلسطين.

وتجدر الاشارة الى ان النقابة في مواقفها الوطنية، عرفت كيف تفرق بين العمل الوطني والعمل السياسي. وهذا التفريق بين العملين كان ولا يزال صمام الامان والدرع الواقي لوحدة المحامين حتى في اشد المحن التي مرت بها البلاد.

ففي كل مرة تعرض فيها لبنان أو أية دولة عربية لاعتداء اسرائيلي، كان يقابلها اجماع المحامين على الشجب والاستنكار، وعلى تحريك الهيئات والمنظمات الدولية بدءاً بهيئة الامم المتحدة، وذلك بتوجيه البرقيات الى الدول الكبرى واتحادات المحامين في العالم، يدعون فيها الى مساندة الحق والعدل في المجتمع الدولي كشرط من شروط السلام.

ويعتبر موقف النقابة من الحرب اللبنانية التي استمرت سبعة عشر عاماً، الامتحان الأكبر والأعسر لوحدة القرار الوطني داخل نقابة المحامين في بيروت.

وهذا النهج الوطني السليم عبّرت عنه مجالس النقابة بالقول والفعل.
فمع ولاية النقيب روجيه شيخاني في شهر تشرين الثاني 1974 كانت بوادر الحرب بدأت تطل.

ومنذ اندلاع الحرب، ولم يكن قد مضى على انتخابه أكثر من بضعة أشهر، راح النقيب شيخاني، وانطلاقاً من قصر العدل يسهر بكل ما اوتي من اخلاص ووطنية، مدعوماً بأعضاء مجلس النقابة والمحامين، على حماية وحدة النقابة كمثال حي لوحدة الوطن. وقد كان نضال النقابة في تلك المرحلة، نضالاً مريراً، وقاسياً ومحفوفاً بالمخاطر. إذ كان على النقيب ورفاقه في النقابة، من أعضاء وموظفين، أن يحموا قصر العدل ومركز النقابة بكل ما فيهما من ملفات ووثائق، من ضروب القصف والسرقة، وأن يظلوا همزة الوصل الدائمة بين المحامين المتباعدين قسراً لتصان وحدة الوطن من خلال وحدة النقابة.

والنقيب شيخاني، وفي أكثر من مناسبة عبّر عن هذا الواقع البشع وعن تصميمه على التصدي له أيّا كان الثمن والتضحيات. الأمر الذي حمل وزير العدل الى توجيه رسالة شكر وتقدير لجهود النقيب والنقابة، والتي لولاها لما بقي للعدالة قصر، ولما بقي للقصر حرمة.

وكان النقيب شيخاني لا يتوانى في كل مناسبة، عن دعوة زملائه المحامين وسائر المواطنين، الى التمسك بالقوانين والاخلاق، وهي الدرع الواقية لبقاء لبنان. وقد كلل نضال النقيب شيخاني بانتقال الولاية الى نقيب آخر جرى انتخابه في 15/11/1981 وكان يوماً وطنياً ونقابياً مشهوداً عبّر فيه المحامون عن تمسكهم بالحرية والديموقراطية.

ومن أقوال النقيب شيخاني في ذلك اليوم ما جاء في خطابه الوداعي:

"حضرة الزملاء الكرام نرحب بكم في داركم دار العدل والقانون اخوة مجتمعين موحدين رائدكم الدفاع عن الحق وموقفكم ثابت لا يتزعزع لم تبدله الظروف العصيبة القاسية التي مرت وتمر ببلدنا العزيز، هذه الظروف التي قضت على أشياء كثيرة فيه الا على الانسان الحر المؤمن بربه ووطنه والحق والممثل بكم افضل تمثيل يا رجال القانون.
ان مجلس نقابتكم مر ويمر معكم في هذه الظروف القاسية، وقاسى ويقاسي معكم ويتألم لآلامكم فهو منكم ولكم.
ولم تكن هذه الظروف الا لتزيد مجلس نقابتكم قوة وتضامناً في وقت تفككت فيه معظم المؤسسات.
فارتفع مجلس نقابتكم فوق كل التناقضات واتخذ من الحرب والفلتان الأمني حافزاً لابقاء المحامين في إطار الدور الانضباطي القدوة الذي عرفوا به منذ تأسيس النقابة.
كما قام بالدور المسند اليه في تسيير الأعمال النقابية غير عابىء بالاخطار. ايها الزملاء الكرام، انه لا بد لنا من أن نضع امام جمعيتكم المحترمة على سبيل المثال لا الحصر بعض ما قام به مجلس نقابتكم:

1- كانت نقابتكم اول من نادى عالياً بسلطة الدولة وسيادة القانون وحرية الفرد ووحدة الوطن في تصاريح عديدة نشرت مراراً في ظروف غاب فيها القانون وتفككت السلطة.
2- دعا مجلس النقابة الى مؤتمر وطني عقد في 26/2/1976 في دار النقابة كما وجه الدعوة أكثر من مرة الى نقباء الاطباء والمهندسين والصيادلة وغيره الا ان الظروف لم تساعد على نجاح هذه المؤتمرات والمحاولات بسبب اختلاف وجهات النظر.
3- طالب مجلس النقابة منذ بداية الاحداث بنزع السلاح لأن العنف يولد العنف ويعقد الأمور بدلاً من ان يحلها وأجرى اتصالات بشأن ذلك الا ان الظروف لم تساعد على تحقيق ما طالب به.
طلب مجلس النقابة ملاحقة ومعاقبة كل من أعتدى على محام بشخصه وحريته وممتلكاته.
أعطت النقابة المواطنين مثلاً نموذجياً حول الوحدة الوطنية ببقائها وحدة متماسكة تصلح ركيزة ضخمة اساسية لبناء وطن.
تولت النقابة في ضوء الظروف العصيبة التي مرت بها البلاد حل الصعاب التي كانت تواجه المحامين على أكثر من صعيد.
حرصاً منه على مصالح المحامين والمواطنين بذل مجلس النقابة جهوداً في سبيل حماية بناء ومحتويات النقابة وقصر العدل ودائرة السجل التجاري ووزارة العدل ونجح فيما رمى اليه. وقد وجه وزير العدل كتاب شكر للنقيب والنقابة اعترافاً منه بهذه الجهود".
وبنتيجة إجراء العملية الانتخابية، اعلن فوز الأستاذ عصام فؤاد الخوري نقيباً جديداً للمحامين.

وان اهم ما انجزه النقيب عصام الخوري في عهده على الصعيد الوطني، وفي الخط الذي سار عليه النقيب شيخاني من قبل، يجد ترجمته بايجاز كلي، في ما يأتي:

رغم ان تلك الحقبة حفلت بأحداث جسام، وكانت مسرحاً لمآس متعددة، ان على صعيد الانسان، أو على صعيد الوطن، فان نقابة المحامين، عبرت، بالافعال والمواقف والشهادات، عن لبنان الحرية والديموقراطية والانفتاح والقانون. ففي تشرين الثاني 1981: جرت الانتخابات بعد سبع سنوات من الامتناع القسري، وقد شهد قصر العدل مظاهرة وطنية كبيرة، تمثلت بحضور اكثر من الف محام، من جميع المناطق والطوائف والاحزاب، توافدوا متخطين كل الحواجز والعوائق، الى المشاركة في انتخابات ديموقراطية، هي الرد الامثل على أجواء الارهاب والعنف والقتل السائدة في تلك المرحلة.

لقد كانت هذه الانتخابات تعبيراً اصيلاً عن الديموقراطية اللبنانية، وقد نتج عنها فوز كل من: الأستاذ عصام فؤاد الخوري، نقيباً. والأساتذة ميشال خطار، محمد شهاب، فايز نصولي، محمد الساحلي، ميشال ليان، جورج ملكي، مرسيل سيوفي، عصام كرم، امين خوري، سمير حايك، فيكتور ضو، أعضاء.

ان هذا الحدث الديموقراطي الوطني، الوحدوي، لم تقتصر ظاهرته على الانتخابات النقابية، فحسب، بل تجلى في أبهى مظاهرة في اعراس وطنية، كانت نقابة المحامين محورها الأساس، بمناسبة زيارات مجلس النقابة التفقدية لجميع المناطق والمحافظات في صيدا، كما في زحلة، كما في عاليه، كما في طرابلس. ان هذه اللقاءات كانت هي البدائل الاصيلة عن اجواء التفرقة والعنف التي توزعها الحرب وادواتها المشبوهة.

ونقابة المحامين، اذ اعتبرت، بدورها، ان الحدث الانتخابي هو رمز لما هو اعمق وأكبر وأكثر اصالة، فإنها حرصت على أن تكون سباقة الى اقامة علاقات وطنية متعددة، من أهمها:
1- علاقة وطيدة بين مجلس النقابة ومجلس النواب.
2- علاقة حميمة ووثيقة جدا مع الجسم القضائي.
3- علاقة فاعلة ووطنية مع وسائل الاعلام.
4- علاقة مباشرة مع الزملاء المحامين وحدب خاص على المحامين المتدرجين الوافدين الى المهنة في ظروف الحرب الاستثنائية.


وفي حزيران 1982، وعندما اجتاحت اسرائيل جنوبي لبنان وصولاً الى العاصمة بيروت، كان لنقابة المحامين الموقف الحر الذي تمثل ببيان يدين فيه الاحتلال الاسرائيلي ويطالب برفع الحصار عن بيروت وبانقاذ لبنان من الصراع الاقليمي والدولي القائم على ارضه.
غير ان النقيب عصام الخوري، وبسبب تعيينه وزيراً بتاريخ 7/10/1982 لم يتمكن من اكمال ولايته، فحل محله بالوكالة امين سر النقابة الأستاذ محمد شهاب.

وقد تابع المجلس دوره النقابي والوطني بتضامن ومسؤولية، خلال الظروف الصعبة نفسها. وكان له الموقف الرصين والواعي اثناء انعقاد مؤتمري جنيف ولوزان اذ تقدم باسمه وباسم نقابات المهن الحرة، بمذكرة حول آرائه وتطلعاته بشأن عمليتي الاصلاح والوفاق الوطني.
بل يمكن القول بأن تلك الفترة التي تولى فيها الأستاذ محمد شهاب مقاليد النقابة بالوكالة كانت من أصعب الفترات التي عاشها لبنان. إذ كان الاحتلال الاسرائيلي قد امتد الى أكثر من منطقة من مناطقه وكان التنقل بينها صعباً. مع ذلك ما انقطع العمل في نقابة المحامين. بل بقيت البيت الذي يلوذ به المحامي في كل ما يخصه أو يهم الوطن.

وإزاء الاوضاع المصيرية التي كانت تجابهها البلاد، كان لنقابة المحامين المواقف الوطنية تجاه كل حدث، والتي كان يعبر عنها مجلس النقابة أو الأستاذ محمد شهاب باعتبار ان ذلك من ضمن رسالتها وواجبها القانوني في الدفاع عن الحريات وسيادة القانون.
فمن دعوة الى دعم الشرعية والحوار المخلص بين ابناء الوطن، الى استنكار للتعدي على الجيش اللبناني، واحتجاز الوزراء، الى استنكار للتهجير والمجازر، الى تأييد للحوار ووقف اطلاق النار.
وفي نطاق الدعوة للحوار، دعت نقابة المحامين، نقباء المهن الحرة الى لقاء في دار النقابة وبحثت الخطوات الآيلة الى تحقيقه.
ولذلك فأنه عندما شاء فخامة رئيس الجمهورية آنذاك استشارة نقابات المهن الحرة حول مؤتمر الحوار الوطني لبّت النقابة الدعوة وشاركت مع تلك النقابات في مقابلة فخامة الرئيس وفي شرح تصوراتها لوضع لبنان ومطاليب اللبنانيين، ثم وضعت النقابة مع باقي النقابات مذكرة واحدة بعد عدة اجتماعات عقدت في دار نقابتنا ورفعت المذكرة الى فخامة الرئيس بتاريخ 27/10/1983 وقد تضمنت عرضاً للوضع الراهن وسبل مواجهته ومرتكزات الوفاق والمطالب الملحة للبنانيين والمبادىء الرئيسية التي يتوافقون عليها.

وعودة الى تلك المبادىء الواردة في مذكرة النقابات يتبين انها تكاد تكون ذاتها التي وردت في ميثاق الطائف والدستور اللبناني الجديد.

ولم يقتصر دور النقابة على الداخل، بل اثارت الوضع اللبناني في مختلف الاجتماعات التي عقدها المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب، والاتحاد الدولي للمحامين.
ففي المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب الذي عقد في الجزائر بين 19 و 22 كانون الثاني 1983 اصدر المكتب الدائم توصية حيّا فيها "الشعب اللبناني البطل الذي قدم كل غال وثمين والذي عمل ويعمل بإصرار في سبيل المحافظة على وحدة التراب اللبناني واستقلاله ومبادئه ودعا المكتب المسؤولين في الدول العربية لتقديم الدعم المخلص للبنان والمساهمة في اعادة بناء مؤسساته ومدنه وقراره التي دمرت او نكبت بفعل الغزو الاسرائيلي...".


- وفي المكتب الدائم الذي عقده الاتحاد الدولي للمحامين في اللوكسمبورج بتاريخ 3/7/83 اتخذ المكتب قراراً يتعلق بدعم لبنان هذا نصه:

"إن اعضاء الاتحاد الدولي للمحامين المجتمعين في اللوكسمبرج بتاريخ 3 تموز 1983 يجددون لزملائهم المحامين اللبنانيين التعاطف الكبير معهم ويؤكدون ثقتهم بهم ودعمهم لهم في المعركة التي يخوضونها من أجل السلام والحرية واستقلال بلدهم ونقابة المحامين في لبنان".
كما كان لمجلس النقابة، وعلى رأسه الأستاذ شهاب الموقف الوطني الرصين اثناء انعقاد مؤتمري جميف ولوزان ان تقدم باسم المهن الحرة وباسمه بمذكرة تتضمن تصوره لعمليتي الاصلاح والوفاق الوطني.
وهذا ما نوه به النقيب عصام الخوري في حديثه عن تلك المرحلة.
وما شهدته البلاد على الصعيدين الامني والوطني في عهد النقباء السابقين بدءا بالنقيب شيخاني، لم يطرأ عليه جديد في عهد النقيب عصام كرم الذي انتخب وتسلم ولايته في شهر تشرين من العام 1983 اذ تميزت تلك الفترة ايضاً بالدقة على الصعيد الوطني.
"فقام في كل الاوساط اللبنانية فرق من التشرذم. وقام، في المقابل، حرص في اوساط نقابة المحامين على تغليب الشأن العام على الشأن المهني تحت عنوان الحفاظ على وحدة النقابة يفضي الى الحفاظ على وحدة الوطن".
وكان صوت النقيب ومجلس النقابة يرتفع ناطقاً بالحق والعقلانية في زمان الاقتتال والتحارب وعهد السواتر والمعابر.
وقد اضحت بيانات النقابة شعارات رادعة ومسؤولة في تلك الحقبة نورد منها:

"نحن نؤمن بوحدة لبنان وطناً سيداً حراً مستقلاً منفتحاً على العرب انفتاح التفهم والسماح والعقلانية".
"المحاماة حمى لقيم هي الحرية والديموقراطية والانفتاح، والمحاماة ندوة فضلى، متعافية لممارسة هذه القيم".
"نأمل بأن تكون السواتر الترابية التي تم نزعها عن طريق المتحف البربير آخر مظاهر العمل على الفصل بين اللبنانيين وآخر من آثار خطوط التماس في العاصمة الواحدة...".
وفي استقبال تظاهرة المعاقين امام قصر العدل، وهي التظاهرة التي اخترقت خطوط التماس، قال النقيب كرم متوجهاً الى المعاقين:
"ما انتم المعاقون. المعاقون هم الذين صيّروكم معاقين".

ونود الاشارة الى ان عهد النقيب عصام كرم منذ انتخابه نقيباً وحتى انتهاء ولايته الممددة سنتين، كان الشأن الوطني من اولويات اهتمامات النقيب ومجلس النقابة.
وقد تجلى هذا التركيز على الشأن الوطني وقضايا الساعة بصورة اخص في البيان الختامي الذي أصدره المجلس في نهاية الخلوة التي عقدت من 27 الى 30 ايلول 1984 في فندوق هاي هيل في بكفيا، والذي نقتطف منه الفقرات الآتية:
عقد مجلس نقابة المحامين خلوته لسنة 1984 في فندق "هاي هيل" بنعص بكفيا من 27 الى 30 ايلول 1984 برئاسة النقيب عصام كرم وحضور الاعضاء الاساتذة: امين السرّ محمد الساحلي، امين الصندوق جورج ملكي، مفوض قصر العدل فكتور ضو، محمد شهاب، ميشال خطار، ريمون عيد، مرسال سيوفي، ميشال ليان، سمير ابي اللمع، الياس حنا، سليم غاريوس.

وتداول المجلس في الشأن العام في لبنان. وذلك انطلاقاً من كون نقابة المحامين تسهم في الخدمة العامة. فضلاً عن ان لها رأيها التوجيهي في المسيرة الوطنية.
كما تداول المجلس في الضمانات الاجتماعية للمحامي وفي تعديل بعض قوانين النقابة وانظمتها.
وتوقف مجلس نقابة المحامين عند الاخطار التي يواجهها لبنان وعند المخاطر التي تواجه مسيرة خلاصه من هذه الاخطار. وتطلع المجلس بقلق الى الخسارة التي نزلت، وما تزال، بالقيم اللبنانية وبالأخلاق. كما نظر المجلس باهتمام في كيفية وقف التدهور الأمني المتمادي وفي سبل النهوض بالبلاد وبهمم اهلها ومعنوياتهم بغية استعادة لبنان وطناً ودولة، ارضاً واستقلالاً ، قيماً واخلاقاً واقتصاداً ومؤسسات.
وتمنى المجلس ان تستعيد المؤسسات الركن دورها الفاعل في استنهاض همم المواطنين للعمل على ترسيخ الثقة في النفسية العامة بأن لبنان وطن يحمل في ذاته كل مقومات الحياة وبأن الشعب اللبناني لم يفقد امله، على رغم الذي صار منذ سنة 1969، بأن المستقبل سيكون محطة ايمان وواحة رجاء في المسيرة الطويلة. فالأوطان لا تبنى عفوا. انها بنت المعاناة. والتاريخ كان دائماً ابلغ معلم واقسى ديّان.

واللبناني اذ يعود الى نفسه في لحظة الهدأة الضميرية، يستشفّ كم كان عليه ان يتلافى من الأخطار حتى لا يصل الى ما وصل.
ورأى مجلس النقابة ان الطلوع من الأزمة القائمة انما يكون بما يأتي:
1- وقف الاتجار بالقيم. خصوصاً بعد التدهور الخلقي الذي يغشى لبنان وبعد الفساد الذي دخل محراب القيم حتى طاول نفسها. اننا ندعو الى مقاومة الفساد تمهيداً لتمنيع خلقي في كل المرافق. من مقعد الدراسة الى المحترف الصغير الى قمة المسؤولية.
2- قيام دولة قوية. على أن تكون قوتها الاخلاق اولا. والايمان بمبادىء الحرية والديموقراطية والمساواة ثانياً. وتوحيد التفكير اللبناني ثالثاً. فلا دولة قوية واحدة بلا جيش واحد. واعلام رسمي واحد. وعدالة واحدة. ومناهج تعليمية واحدة. ولا دولة يتعرض اقتصادها للهزات كمثل ما يتعرض الاقتصاد اللبناني. ولا دولة يرفع فيها سلاح غير سلاح جيشها المسؤول عن امنها والحدود. ولا دولة لا تسود الثقة صلات اهل الحكم فيها وقادة الرأي. فالمطلوب من اهل الحكم ان يتوحدوا وان يزيلوا كل ما بينهم من خلافات واسباب تباعد. خصوصا انهم ليسوا بالحكومة العادية. بل انهم كما في بيانهم الوزاري وبما هم ممثلون للقوى الفاعلية على الارض، انما ندبوا انفسهم لأكبر مهمّة، أي لنجاح مغامرة الانقاذ في لبنان. والا، فماذا يعود معنى للشرعية؟ وهذا هو المطلوب من الشرعية ولها. لأن الشرعية ليست رئيس الدولة وحده ولا المجلس النيابي وحده ولا الحكومة وحدها، بل هي كل هؤلاء مجتمعين وقيادات رأي وفكر ومراجع قولة حق كمثل القضاء ونقابة المحامين.
3- تحرير الارض.
4- نبذ العنف. لأن العنف لا يحلّ مسألة. بل يوجد مسائل.
5- وحدة العدالة ووحدة القضاء.
6- ان نقابة المحامين، اذ تراقب باهتمام وقلق مسيرة خلاص لبنان والعقبات دون خلاصه، تؤكد ان التوحد والعدالة والتحرير والوفاق هي ركائز الانقاذ والخلاص وترسيخ الوجود اللبناني بالحل اللبناني. بحيث لا يعود هذا الوجود عرضة في كل مرة للهزات".
وبعد انتهاء ولاية النقيب كرم في تشرين الثاني 1987 والتي تمددت عامين اضافيين بفعل الاحداث جرت انتخابات نقابية. فاز فيها النقيب الأستاذ ريمون عيد. وكانت البلاد لا تزال غارقة في ازمة امنية وسياسية تصاعدت وتيرتها باقتراب موعد الاستحقاق الدستوري المتمثل بانتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية في العام 1988.


وكانت بوادر الازمة على هذا الصعيد بدأت تظهر وتستفحل يوماً بعد يوم، الأمر الذي حمل كل الهيئات التي لم تشترك في الحرب على التنادي للاجتماع والتشاور واصدار البيانات واجراء المقابلات والوساطات مع كل الاطراف من اجل اختيار رئيس جديد يتفقون عليه تجنيباً للبلاد من فوضى تعم في ما اذا دنا الاستحقاق ولم يتم انتخاب الرئيس. وكان على مجلس نقابة المحامين ان يأخذ المبادرة بدعوة سائر النقابات الحرة الى التحرك في هذا السبيل، وهذا ما حصل بتاريخ 12/9/1988 اذ اجتمع نقباء المهن الحرة في لبنان، في دار نقابة المحامين في بيروت وبعد التشاور اصدروا بياناً اعلنوا فيه تضامنهم مع كل المؤسسات والهيئات والنقابات التي تعمل لوحدة الصف ووحدة لبنان. كما دعوا الى تغليب المصلحة العامة ومصلحة البلاد بانتخاب رئيس جديد للجمهورية في موعده الدستوري. وطالبوا النواب وبالاخص الزملاء منهم بالحضور الى قصر منصور( قصر مجلس النواب الموقت في تلك الفترة) في اليوم التالي (13 ايلول 1988) وبالبقاء فيه حتى انتخاب الرئيس الجديد.

وهذه المقررات التي اتخذها اجتماع النقابات جرى ابلاغها الى ممثلي الدول الكبرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن. وتركوا اجتماعاتهم مفتوحة.

ولم تكن مناسبة الاستحقاق الدستوري هي الوحيدة التي شغلت مجلس النقابة في عهد النقيب عيد، لأن البلاد في تلك الفترة الحرجة كانت قد انتقلت من مرحلة قسمة الواحد الى نصفين الى مرحلة قسمة النصف الى ربعين، امعاناً من المتآمرين في مزيد من التشرذم ومن التفتيت . فكان مجلس النقابة وفي اكثر من مرة يعقد الاجتماعات الاستثنائية فيبحث في الاوضاع الامنية المتدهورة ، ويدعو الى وقف الاقتتال والمجازر ، ففي 22/3/1989 ، انعقد مجلس النقابة برئاسة النقيب عيد وحضور كامل الاعضاء وبحث في مشكلة قطع الطرق واقفال المعابر واستنكر هذه الاعمال التي تشل وتعطل المؤسسات الدستورية كما ناشد جميع اللبنانين للتضامن وتوحيد الصفوف واستفظع القصف العشوائي وعملية القتل الجماعي التي يتعرض لها الشعب اللبناني على مرأى من جميع الشعوب التي تدعي انها تؤمن بحقوق الانسان وحريته . وارسل المجلس في ذلك اليوم برقيات عاجلة الى اتحاد المحامين العرب والى اتحادات نقابات المحامين في العالم اجمع لوضعها في الصورة الحقيقية لما يحدث في لبنان .

وقد كان للنقابة في عهد الاستاذ ريمون شديد مواقف وقرارات وطنية مماثلة تتخذها في كل مرة يدعوها اليها الواجب ومن ذلك موقفها من حادثة اغتيال مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد في 16/5/1989 . وتحركها في ابان اجتماعات الطائف ، حيث دعا في بيان له اعضاء المجلس النيابي المجتمعين هناك الى اتخاذ القرارات الحرة المتحررة من كل العقد وان يرفضوا التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي اللبناني .


ولم يكن عهد النقيب سيوفي باوفر حظا من عهد سلفه ، فقد استمرت المعارك حتى بلغت ذروتها وكان النصف الاول من ولايته قد انقضى مع حصول احداث 13/10/1990 .
وطوال العام استمرت وتمادت الاعمال الحربية بين الفريقين المتصارعين في المنطقة الشرقية وفي محيط قصر العدل بالذات . وكان على مجلس النقابة ان يستمر في الدعوة الى الوئام والمصالحة ورص الصفوف عبر بيانات وتحركات ومساع وفاقية لتغليب الوحدة على التشرذم وصوت القانون على كل صوت آخر .
ولم يأل النقيب سيوفي جهدا في سبيل ذلك لا على الصعيد الداخلي ولا في المؤتمرات الحقوقية التي كانت النقابة تشارك فيها . ففي اجتماعات المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب في صنعاء المنعقد من 9 الى 12 كانون الاول 1989 ، اصدر المكتب الدائم وبسعي من وفد النقابة المؤلف من عضو المجلس الاستاذ عمر زين ، ممثلا النقيب سيوفي والاستاذ مارون حداد ممثلا لمجلس النقابة ، بيانا دعا فيه المؤسسات الشرعية اللبنانية الى بذل اقصى الجهود من اجل بسط سيادة الدولة والقانون على جميع الاراضي اللبنانية، بما يدعم وحدة لبنان والديموقراطية فيه واحترام الانسان . وبتاريخ 14/11/1990 زار مجلس النقابة برئاسة النقيب سيوفي فخامة رئيس الجمهورية وقد شدد ، في كلمة القاها للمناسبة ، على الدور الرائد لنقابة المحامين في الشأن الوطني والذي اضطلعت به منذ تأسيسها .وهذا الدور توجزه ثلاث نقاط :

ـ الوحدة الوطنية وهي وحدة الارض والشعب والمؤسسات .
ـ السيادة الوطنية اذ لا حرية للدولة ولا استقلال الا اذا استعادت سيادتها وبسطت سلطتها بقواتها الذاتية على كل الاراضي اللبنانية .
ـ احترام الحريات العامة وحقوق الانسان وهي الركيزة الاساسية للديموقراطية في لبنان .
وهذه العناوين الكبرى كانت بالنسبة للنقيب سيوفي وللنقابة ثوابت، اذ لا استقلال للبنان ولا للانسان في لبنان ما لم تحترم الحريات العامة وحقوق الانسان .
وتجدر الاشارة الى ان الخط النضالي للنقابة في الشأن الوطني كان يختلف التعبير عنه باختلاف الازمنة والظروف ، اما في الجوهر فالموافق تكاد انتكون متماثلة ضمن الاطار الواسع للعمل الوطني .
والترجمة الواقعية لما تقدم هو ان نضال النقابة هو في السلم مثله في الحرب ولو اختلف التعبير .
وكان من الطبيعي ، بعد ان استتب الامن وبدأت الدولة تستعيد دورها وقوتها ، ان تشارك النقابة في الدعوة الى دولة القانون والحريات العامة وحقوق الانسان لتبسط الشرعية نفوذها وسلطتها بعد استردادها من القوى غير الشرعية سعيا لوحدة لبنان وسيادة القانون وتساوي المواطنين امامه .

وهذا ما طبع الاعمال التي قام بها مجلس نقابة المحامين في عهد النقيب الاستاذ سمير ابي اللمع . ففي زيارة لرئيس مجلس النواب بتاريخ 20/12/1991 ، وعلى رأس وفد من مجلس النقابة ، اكد النقيب ابي اللمع على التزام النقابة المستمر بالمبادىء والمسلّمات التي انتهجتها منذ نشأتها وهي الدفاع عن الحريات العامة والديمقراطية وحقوق الانسان .

وكان سعي مجلس النقابة في هذا السبيل لا ينحصر في الداخل بل تعداه كلما اقتضت الضرورة الى الدول التي تهمها قضية لبنان ، وفي هذا الاطار قام النقيب ابي اللمع يرافقه نقيب المحامين في الشمال الاستاذ حسن المرعبي ، بزيارة الرئيس المصري حسني مبارك ، وطلب اليه العمل على تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بلبنان وفي طالعتها القرار رقم 425 ، القاضي بانسحاب اسرائيل من الجنوب والبقاع الغربي .

وفي مناسبة أخرى حاضر النقيب أبي اللمع في فندق السمرلند بتاريخ 12/11/1992 وفي إطار مؤتمر إعمار لبنان . حيث ركز على موضوع السلام والاعمار في لبنان الى ان اللبنانيين يصنعون اليوم سلامهم على ارضهم بعدما صنع الآخرون حروبهم عليها . مشددا على ان مشاركة المحامين كرجال قانون في هذا المؤتمر انما يؤكد على المصلحة الاجتماعية في تحقيق الحياة الكاملة للفرد وللوطن .

وليس غريبا على نقابة المحامين ان تتفاعل مع أي حدث يمس كرامة لبنان واللبنانين أينما وجدوا على أرض لبنان لاسيما اذا كان الجنوب هو المتعدى عليه. والنقابة سجلت مواقف كثيرة وثابتة بشأن الجنوب منذ بدء الاعتداءات الاسرائلية على أرضه وشعبه . وعلى سبيل المثال لا الحصر البيان الذي أصدره مجلس النقابة بتاريخ 28/7/1993 في عهد النقيب ابي اللمع ، والذي اشار الى الاتصالات التي قام بها مجلس النقابة بكل من اتحاد المحامين العرب واتحاد المحامين الدولي ونقابتي باريس ولندن، التي حثهم فيها على اتخاذ موقف موحد من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان وسيادة الاوطان التي تقوم بها اسرائيل ضد لبنان كما نوه البيان بدور الجيش اللبناني ودعا الجميع الى الالتفاف حوله ومؤازرته على الجميع الى الالتفاف حوله ومؤازرته على جميع المستويات .
في عهد النقيب ا الأستاذ ميشال خطار ، تابعت نفس الخطى في إتخاذ المواقف الوطنية المناسبة تجاه كل حدث او واقعة .