إنّه لقاء جامع لأهل القانون، تتمثّل فيه أجيال متعدّدة: من مسؤولين، ونقباء، ومحامين كبار، وقضاة مرفوعي الرأس ، إلى نسور المحامين الجدد – متدرّجين وغير متدرّجين – الذين يحاولون اقتحام الصعاب، وتذليل التحدّيات، ودخول قصور العدل، على أحصنة من علم، وثقافة، وقيم، ووطنية.
لذلك، كان هذا اللقاء ذا طابع جديد: معالي الوزير، الرئيس الأوّل، القضاة، نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس، وأنتم...
كلّنا معاً نعلن الانطلاق من مرفأ واحد، في سفينة واحدة، وبإتجاه واحد: اتجاه تحصين القانون، واحترام الحقيقة، واللجوء إلى العدالة، والتسلّح بالآداب والعلوم.
قلتُ: في سفينة واحدة، لأنّ أي سقوط، أو غرق، أو اختراق، انّما هو طعنة لكلّ هذا الجسم القانوني. وأنا أعلم، أن ما جُرح لنا زميل، في بيروت أو في طرابلس أو في كل لبنان، ولو معنوياً، إلاّ وأصاب الوجع هذا القاضي أو ذاك، وهذا الوزير القيّم على العدالة والقانون، أو ذاك الوزير القيّم على السلامة والأمن.
فكلّنا، في الجرح والآلام إخوان... وكلنا في الهم واحد في الهمّ، واحد، ولا نميّز، وكأنّنا مع شاعر السيف والقلم، نقول:
عـذر لمـن مـات، لا عـذر لـمن سـلما،
اذا تهــدّم مجــدٌ واسـتُبيح حُــمى
ولن يتهدّم هذا المجد، ولن تُستباح كرامة محام أو قاضٍ...
إنّ افتتاحنا، اليوم، لمحاضرات التدرّج، على هذا النحو، انما يعبّر عن رغبة في أن نكون جميعاً، قضاة ومحامين، خدّاماً لمجد القانون، وصنّاعاً له.
لقد تخرّجتم، أيها المتدرّجون والمتدرّجات، من جامعاتٍ راقية، على أيدي أساتذة محترمين، قضاة، ومحامين، ومسؤولين، ورجال قانون، وهذا ما دفعنا، اليوم، إلى متابعة الحياة الجامعية الأكاديمية من خلال ندوات ومحاضرات التدرّج، كما من خلال معهد المحاماة في نقابة المحامين في إنطلاقته الحديثة.
أملُنا أن تكون سلسلة المحاضرات فاتحة خير، وسبيلاً إلى اكتساب المعارف والخبرة. وكم أودّ أن تكون اللقاءات غنيّة بالحوارات والنقاشات العلمية.
أتركوا، أيها الشباب والشابات، الأجوبة الجاهزة لغيركم من أهل الادّعاء، واطرحوا الأسئلة، وعبّروا عن قلق ذواتكم، بشجاعة ومحبّة. لا شيء يكثّف المعرفة في النفس كالإصغاء إلى الآخر، والتعرّف اليه، ومناقشته، بروح الحريّة، والتجرّد، والموضوعية.
ليسَ التدرُّجُ في المحاماة مرحلَةً زمنيَّةً يقطَعُها المحامي المتدرِّج لينتهي من أعباءِ وطأتِها مُتثاقلاً، مُتَبَرِّماً كأنَّهُ ينشُدُ الخلاص, إنما التدرُّجُ مدرسةٌ ثانيةٌ، يدخُلُها المحامي الطالب، ليختزِنَ المعرِفةَ زاداً يغتذي به، و سلاحاً يذودُ بهِ، و إنفتاحاً على حقولِ النجاح و التقدُّم والتفوّق.
كلّنا متدرجون، ولا عيب في ذلك ولا إنتقاص. هذه سنّة الحياة القائمة على ركنين: العلم والخبرة.
يحضرني، بهذه المناسبة، قول لنقيب باريس الأسبق وعضو الأكاديمية الفرنسية "هنري روبير"، لَما سُئل عن سبب تألقه في المحاماة، أجاب:
"سبب نجاحي هو أني كنت، ولا أزال، أنظر الى المهنة أنها تدرج دائم".
إنني متفائلة بأنّ حضوركم سيكون كثيفاً، ومشاركتكم ستكون بناءةً وفاعلة، ومستقبلكم سيكون على قدر جهدكم وتطلّعاتكم.
وإنني، في هذه المناسبة، لا بدّ لي من التوقّف عند كلام سمعناه، أيها الزملاء، خلال الأيام الماضية، من أهل الحكم والسياسة، فيه شكوى وتذمّر، وكأنّ الدولة في حالة شلل واهتراء. أصحاب هذا القول هم المسؤولون. ونحن معهم في هواجسنا والتخوّفات. ولكن ما هو الحلّ؟
لا يجوز، في عهد جديد نأمل منه الكثير، مع فخامة الرئيس ومع دولة الرئيسين، أن نبدأ بالندب والبكاء.
نحن مستعدّون، أهل القانون، لكلّ موقف يساعد ويساهم في بناء الدولة وليس في شللها وانهيارها. أناديهم: نحن حاضرون، ماذا تريدون؟ نأمل منهم، نحن جنود الحق، جواباً على هذا النداء.
"تعرفون الحق والحق يحرركم..."
هذه الحقيقة بالذات، أيها الزميلات والزملاء، هي التي أتاحت للبنان أن تتكسّر على عتباته الأمواج الهوجاء، والدعوات الخائبة، ليبقى هو في عين الزمن أكبر من صغره، وأكثر إلتزاماً بالإنسان وبجميع حقوقه وحرّيته.
أجل، أيها الزملاء والزميلات، هذا ما عبر عنه الكبير ميشال شيحا بقوله:
"لبنان بلدٌ صغير، نعم، وصغير جداً، نعمْ، ولكن ليس شعباً صغيراً بل متروكٌ له أن يلعب لعبته الكبرى إن هو عرف نفسه ووعى رسالته".
أيها الأصدقاء،
بروحيَ هذا المنبر، الذي على خشباته صعدت، وعن خشباته انطلقتُ، أُلملم عطر الكلمات المطّيب بَسنيّ المواهب والمزايا التي دأبت أفواهُ ناثريها، تلقيها، فأجمعها رزماً من الورد، أفرش بها مَقدِمَ الوافدين الى محاضرات التدرج الذين كانوا، ولا يزالون، موعدي الأول والأهم، ومحركي الأول والأهم في إقبالي على المحاماة، وفي بالي حِكْمة سليمان: "لا تمنع الخير عن أهله."
فأهل المحاماة هم أهلي، ونقابة المحامين هي النهر الكبير الذي كان، ولا يزال، يرفد أسرة القضاء، عندما تنادينا، بأثمن لآلئه، وصانعي مجده، ونبات محاريبه.
أما كلمتي الأخيرة إليكم، اليوم، أيها الزميلات والزملاء،
أن اجعلوا كلمتكم صريحة، جريئة، مدوّية، عند الحاجة، على ألاّ تكون المساحة بين ما تجهر كلمتكم وما ترمز إليه، سوى مساحة تشع منها الحقيقة، ولا يكلّ فيها الحسن، ولا يقلّ، فيغنج الكلام، ويتدلل الحق، في آن، على أيديكم...
فلا تخف، يا قلم، من حريتك، ما دام حبرك مصنوعاً من عصارة عرق الجباه الممّرغة بتراب الكبرياء، والممزوج بعنفوان العقل.
صونوا الحرية كما صانها الله، وحافظوا على قيمتها الإنسانية، لأن الحرية هي الإنسان، والإنسان هو الحرية، فإذا فقد الإنسان حريته فقد وجوده.
أيها الزملاء المحامون،
أيها المتدرجون،
كونوا بصيرة، وحسبْ، ساعة الأمر بُعدَ نظر،
وسمعاً، ساعة الضرورة إصغاء،
وعقلاً، يوم المشكلة في محتدم...
وكونوا كلّ هذا، يوم المَعنيّ الكرامات...
إنني، إذ أرحّب بكم، أشكر من القلب، المحامي البروفسور إبراهيم نجّار، وكلّ الألقاب تصحّ فيه،
كما أحيّي بتقدير وإعتزاز، وأبعد من المنبر، رجل الكلمة والحكمة والقانون، الرئيس الأوّل الدكتور غالب غانم.
معهما، ومعكم جميعاً، وجنباً إلى جنب، نتابع الطريق... ونصل.
الهدف يستحق، إنها نقابة المحامين، إنه لبنان،
عاشت نقابة المحامين،
عاش لبنان.