|
شفيق الوزان
الرئيس رياض الصلح
".. ان الاستقلال والسيادة الوطنية وديعة ثمينة وضعت بين ايدينا ، وان كل فرد من افراد الوطن اللبناني العزيز مسؤول عنها ، كل بحسب ما بيده ،
ولا يستقيم لوطن كيان واستقلال ما لم ينبض له قلوب بنيه جميعا . فالقلوب الوطنية هي خير سياج للوطن ، وهي الزم لحفظه وصيانته من سلاح المادة مهما يكن قويا.
ان اخواننا في الاقطار العربية لايريدون الا ما يريده ابناؤه الاباة الوطنيون ، فنحن لا نريده للاستعمار مستقرا وهم لا يريدونه للاستعمار اليهم لا ممرّا . فنحن وهم اذن نريده وطنا سيدا حرا مستقلا " .
البيان الوزاري الاول لحكومة
الرئيس رياض الصلح
7/10/1943
الرئيس عبدالله اليافي
" من البديهي القول ان ما من مشروع اصلاحي يعطي ثماره الا اذا توفرت له اجواء الاستقرار المرتكزة على توطيد العدل وحفظ الامن وفرض هيبة الحكومة بواسطة موظفين اكفاء امناء يقدرون مسؤولياتهم ويتحملون تباعاتهم ويؤمنون انتظام الجهاز الاداري وحسن سيره، وهذا ما ستعنى به الحكومة وتوليه اعظم الاهتمام.
ومن البديهي ايضا القول انه مما يزيد في اقرار العدالة وحفظ الامن ، وجود قضاء عادل ، نزيه يتكاتف افراده على احقاق الحق ، ويبتعدون عن مزالق السياسة ، وهذا ما ستوليه الحكومة مزيد اهتمامها بما يصون للقضاء حرمته وللمتقاضين حقوقهم امامه.
فالعدل البعيد عن أي المؤثرات سيكون موفورا للجميع بضمانة استقلال القضاة وتفتيش دائم يتناول سلوك القاضي ومقدرته ونزاهته " .
الرئيس عبدالله اليافي
البيان الوزاري 1956
الرئيس سامي الصلح
مارست عملي في مهنة المحاماة مدة ربع قرن وعملت قاضيا مدة 22 سنة دون انقطاع مستلهما العمل بالطريقة الانكلوساكسونية في ظل نظم قضائية فرنسية او مستمدة منها وعملت كمحلف اكثر مني قاضيا لا بل كانسان اكثر مني محلفا ابذل جهدي في ان انفذ الى اعماق النزاع لاستخلاص الجانب الانساني منه ويهمني معرفة الناس والبواعث التي توحي اليهم بما يفعلون وكذلك الانصاف المغلف بالرحمة اللذين طالما قدمتهما على العدل الناجم عن القانون .
كنت آبى ان اكون اداة في حكومة قوانين من غير بشر اذ ان حكومة قوانين من غير رجال كحكومة رجال من غير قوانين والحل ويبقى حلا وسطا يستند الى التجارب . وكنت ارى ان النزعة الانسانية يجب ان تتغلب على مفهوم القانون معتبرا ان القانون الذي لا يوطد العدل ليس قانونا انما هو تدبير جائر فرضته السلطة .
وبعد 22 عاما قضيتها في السلك القضائي قبل انتخابي نائبا في البرلمان ثم تحملي مسؤولية الحكم ، فضلا عن ربع قرن في المحاماة ، ونتيجة الخبرة الطويلة في هذه الميادين كنت من مؤيدي الاخذ بنظام المحلفين فيلجأ طالب العدل الى اختيار قضاته الطبيعيين. فقضية عمل يكون حلها اضمن في يد قاض يعاونه عامل ورب عمل ، وكذلك بالنسبة الى الاجور بين المالك والمستأجر، والامر مشابه بالنسبة الى التجار والصناعيين والاطباء . ومن اولى البديهيات ان تحاكم امرأة امرأة وبصفتي اول مناد لحقوقها المدنية كنت ولا ازال اصر انه من الطبيعي ان تحتل مع الرجل المراكز الحيوية الحساسة .
وفي زمن الانتداب كان المفتش الفرنسي يحضر احيانا جلسات المحاكمات ويجلس الى جانب القاضي الاول عن كثب على سير المحاكمة وكانت هذه الطريقة المتبعة المخالفة للقوانين في فرنسا ذاتها تؤمن حسب وجهة نظر الانتداب المزيد من العدل غير انها كانت تمس بكرامة القضاة . واتفق ذات يوم ان دخل المفتش الفرنسي عليّ اثناء انعقاد الجلسات في قاعة محكمة الجنايات فما كان مني الا ان وقفت وقدمت كرسيّا باحترام للمفتش وبدل ان اجلس على كرسي اخر نزعت عني ثوب القضاة ورميته على كتفه ، ففوجىء بما حصل وقلت له بالفرنسية " تفضل واحكم مكاني "، كانت هذه الحادثة كافية لصرفي من الخدمة وبالتالي لاقلاع الانتداب عن السماح للمفتشين الفرنسيين الدخول الى قاعة المحاكمات . ولم اكن اخشى السلطة المنتدبة برغم احالتي على المجلس التأديبي بسبب رفضي سماع مرافعة باللغة الفرنسية ان اللغة العربية هي الرسمية برغم ان الفرنسية كانت تعتبر رسمية ايضا وكان معمولا بها . وقررت الا اقبل دفاعا بعد اليوم الا باللغة العربية وكان ذلك تحدياً سافراً للسلطة المنتدبة غير انه تم صرف النظر عن قرار الاحالة الى المجلس التأديبي لاسباب سياسية وطنية .
خلال الحرب الكونية الثانية، واثناء ترؤسي لمحكمة الجنايات، كان القانون العسكري يحظر نقل الطحين ، فمثل امامي يوماً رجل متهم بنقل شوال من الطحين . فطلب المدعي العام تطبيق العقوبة بحقه . للحال خطر لي ان اسأل المتهم عن القصد من نقل شوال الطحين . فأجاب بأنه رب عائلة فقيرة والقصد من ذلك اعالة اولاده . فتابعت الاستجواب وسألته اذا كان ينقل قنابل او اسلحة او يهرب ذهباً؟ فأجاب بالنفي . لم يكن في نفسي شك انه ليس عدلا الهيا او انسانيا ان يعاقب شخص اشترى كمية من الدقيق وهربها لانتزاع عائلته من اشداق الجوع ، فحكمت ببراءته وضربت بالقانون عرض الحائط . واحدث الحكم ازمة في الجلسة وخارجها .
وهنا ليس المقصود الخروج عن النص القانوني بقدر ما يجب ان يكون هذا النص ترجمة حقيقية للواقع الانساني للمجتمع وظواهره فيأتي التشريع عندئذ لمصلحة العدالة وليس على حساب الشعب .
وفي هذا المجال لا بد من التذكير بأن واجب القاضي ان لا يعمل في برجه العاجي بل عليه ان يظهر معرفة بالطبيعة البشرية والا عجز عن اداء مهمته حتى لو توفر لديه عامل حسن النية .
وبعد هذه المدة التي قضيتها في سلكي القضاء والمحاماة اود ان اوصي اخواني رجال القانون بالوصية التالية : خرجت مقتنعا بأن الاستقلال يؤخذ ولا يعطى حتى في ميدان القضاء مهما تكن الضمانات التي تقدمها الدولة مؤكدا بأن ما يصدر عن القاضي من احكام تجسيدا للاستقلال بمفهومه الشامل وتكريسا لروحية الديموقراطية الحقة وهي فصل السلطات واحترامها .
مذكرات سامي الصلح " احتكم الى التاريخ "
سامي الصلح
الرئيس رشيد كرامي
" ستولي الحكومة اهتماماً خاصاً لكل ما يؤول الى المزيد من استقلال القضاء ورفع شأنه، ومنه اعداد عناصر تؤمن العمل القضائي على أكمل وجه وذلك بتعزيز معهد الدروس القضائية.
وستعمل الحكومة على تطوير الاجهزة القضائية وعناصرها بحيث تصبح متلائمة مع الاتجاهات الاجتماعية الحديثة ولكي يبقى لبنان دائماً منفتحاً على العالم يساهم في تقدمه ورقيه، علماً وبحثاً، كما كان شأنه دائماً، يعطي ويأخذ احسن ما ينتجه الفكر العالمي بما يأتلف مع ماضيه وحاضره الراهن ."
من البيان الوزاري لحكومة
الرئيس رشيد كرامي
4/12/1969
الرئيس رشيد الصلح
تحتفل نقابة المحامين في بيروت بيوبيلها الالماسي لمرور خمس وسبعين سنة على تأسيسها، ولا شك ان هذه المناسبة من اسعد واهم المناسبات التي يعيشها التاريخ اللبناني الحديث. اذ ان اللبنانيين، جميع اللبنانيين، يعتزون ويفتخرون بهذه المؤسسة العلمية والفكرية والوطنية. كونها ساهمت في بناء المجتمع اللبناني مساهمة ضخمة ورافقت الاحداث اللبنانية منذ نشوء الدولة حتى اليوم ووقفت مع لبنان الوطني الموحد في أحلك الظروف والايام، اذاً وطننا بفضلها لا يزال موئلا لرجال الفكر والعلم ومرجعاً يفلجأ اليه لايجاد الحلول القانونية والقضائية والعلمية.
واصل المحامون اللبنانيون مرجعا لجميع المتقاضين.
ومن الواجب القول والتذكير بالموقف الوطني الرائع الذي وقفته النخبة من المحامين اللبنانيين في ايام الانتداب حين تصدت للسلطة المنتدبة ووقفت بوجهها وتمسكت باللغة العربية وعززت المرافعات بها حتى اصبح المحامون اللبنانيون مرجعاً للفقه ولتعريب القوانين والمرافعات، ولن ننسى الدور الوطني الرائع لنقابة المحامين في معركة الاستقلال حين اعلنت الاضراب وشاركت جميع اللبنانيين في نضالهم وثورتهم لتحقيق الاستقلال.
وكانت نقابة المحامين والزملاء المنتسبون اليها ولا تزال، المثل الأعلى في النضال والعمل الدؤوب لتحقيق الوحدة الوطنية بين جميع اللبنانيين ورفض كل افكار واعمال التقسيم والتفتيت، حتى ان المحامين رفضوا اجراء أي انتخاب لمجلس النقابة حين تعذرت مشاركة فريق من زملائهم فيه لأسباب معروفة. وأذكر كرجل سياسي ومحامي اولاً، ان النصاب للانتخابات تم في احدى الدورات بمعزل عن مشاركة فريق من المحامين فرفض المجتمعون في قصر العدل من الفريق الآخر اجراء الانتخابات حفاظاً على الوحدة الوطنية وعلى الطابع الوطني الموحد للمحامين ونقابتهم المحترمة وحرصاً منهم على مشاركة جميع زملائهم في هذا العمل الديموقراطي الحر.
وعلى اللبنانيين جميعاً ان يفاخروا بهذه المؤسسة التي ساهمت مساهمة اساسية بالحفاظ دائماً على الدور العلمي والوطني والفقهي في وطننا لبنان فاضحت رمزاً نعتز به للوحدة الوطنية وللجو العلمي والفقهي في لبنان ودنيا العرب جميعاً.
رشيد الصلح
الرئيس شفيق الوزان
اعترف ان قلمي تهيب وتجمد، فالكلام لتسلق قمة بمستوى نقابة المحامين في بيروت وهي بالمستوى العالي الكبير ليس بالأمر اليسير. ومناسبة العيد الماسي مناسبة فيها عمر النهوض والتقدم، ومهابة الفكر والنضوج. واراني استجمع نفسي بكل الوعي والشجاعة لأتسلق مدارج النسين لهذه النقابة التي كانت واستمرت ام النقابات والحصن المنيع للفكر والحق والحرية.
لقد مضى عليّ زمن طويل في هذه النقابة، واني وزملائي المحامين، تدرجنا معها بكل نشاطاتها، وفي شتى ميادين اهتماماتها، في رسالتها الاساسية في خدمة العدالة وفي تحركاتها الفكرية او الوطنية، وفي كل حدث كبير فرضته الظروف أو الطوارىء.
كانت نقابة المحامين صوتاً عالياً في كل ما تعتقده حقا، وكانت يدا مبادرة في كل ما تراه مفيداً، مشت دائما في الدرب العريض الواضح، ورجالها كانوا زادا غنياً في التشريع، وفي مؤسسات الحكم، ونشأت بينها وبين هذه المؤسسات نسابة فرضت تعاوناً في الفكر والقدرة والعطاء.
ان نقابتنا اغنت لبنان في الداخل، واذا صح القول بأن المحاماة هي المساعد في العدالة، فأذكر لنقابتنا انها ايضاً كانت ينبوعاً قدم رجالاً اكفاء للقضاء في أكثر من مرة في تاريخها مما يشهد للمحامين عن علم وفير، ودور كبير في رسالة الضمير.
ونقابتنا في الخارج كما في الداخل كانت وما زالت محط الانظار حيثما اشتركت في اتحاد او مؤتمر، لا تنزلق الى صراع ، بل تحفظ الحقيقة صفاءها، وللحق قوته، وللحكمة مقامها، ولم تنس يوماً في كل ذلك انها من وطن القيم.
وعلى الرغم من العواصف التي اجتاحت العالم العربي منذ اوائل الخمسينات، والعاصفة الكبرى التي بدأت من الأحداث الدامية في لبنان عام 1975، فقد استطاعت النقابة ان تحفظ لنفسها موقعاً مميزاً بالنضج، والتمسك بالقيم الكبرى، ومنها الايمان بالانسان، والايمان بأسس العيش المشترك الذي عرفناه لربما أكثر من غيرنا في لقاءاتنا واحاديثنا اليومية في الباحات في قصور العدل، ام عند مداخل قاعات المحاكم بانتظار دورنا في المحاكمات.
لقد استطاعت النقابة ان تفرض احترامها المميز في كل الأوساط، وان توفر لاعضائها الحصانات التي تتيح لهم العمل الحر الذي يتناسب ورسالة المهنة في تحقيق العدالة والدفاع عن الحقوق. كما استطاعت تأسيس انطلاقة تتوسع في ضمانات وتأمينات تشهد لتطور النقابة بما يساعد اهلها ويفيد.
ولعل الانتصار الأكبر في نظري، هو أن هذه النقابة مثل زميلتها في طرابلس وهي شريحة من شعب تمزق في الاحداث بفعل التآمر والمؤامرات، استطاعت رغم التجاذب ان تشد الوثاق وتتمسك بالوفاق، فبقيت واحدة سليمة، وانموذجاً حياً لما يجب أن تكون عليه دوماً في لبنان. احداث عام 75 ونتائجها لا تحجب 75 خمس وسبعين عاماً من وهج وتقدم. فهذه الأعوام هي تاج ماسي على رأس النقابة يلمع بريقه رغم كل المصاعب الأخيرة ومحنة الوطن. فبوركت نقابة المحامين في بيروت، وبورك رجالها لتدعيم العدالة، وهي اليوم رسالة ملحة في لبنان أكثر من أي يوم مضى.
وشكراً لمن عملوا في مجالسها منذ تأسيسها، نقباء وأعضاء، فرفعوا من شأنها. ودعوة الينا جميعاً لنخرج الى رحاب التجدد، والمستوى المتقدم الى أعلى، لنكون دوماً بمستوى الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه.
والسلام عليكم
شفيق الوزان
بيروت في 30/8/1994
|